Ministry of Commerce, Industry and Investment PromotionMinistry of Commerce, Industry and Investment Promotion

نظام الإفلاس التجاري في سلطنة عمان... الواقع والآفاق

Tue 23 Dec 2025

thumbnail

يشكل الإفلاس التجاري إحدى القضايا الأساسية في بيئة الأعمال، لما له من أثر مباشر على استقرار السوق وثقة المستثمرين،وهذا الموضوع له أهميته الكبرى في سلطنة عُمان، خصوصًا مع تطلع السلطنة إلى تكريس تنافسية السوق في ظل بيئة عادلة ومناخ استثماري تنافسي وفق رؤية "عُمان 2040". على المستوى القانوني فإن الإفلاس التجاري هو حالة قانونية تنطبق على التاجر الذي يتوقف عن سداد ديونهِ التجارية بسبب اضطراب أعماله، ما يدفع إلى سلوك إجراءات تحميهِ من المتابعة والمساءلة القانونية، ويهدف إجراء الإفلاس إلى حماية المدين والمقرض معًا، عبر إعادة هيكلة الديون أو التصرف بالأصول وفق الإجراءات المتبعة في سلطنة عُمان. يقدم هذا المقال إجابات وافية عن الإفلاس التجاري، وأسبابه وفق مراحله الأولى في سلطنة عُمان من خلال ما جاء به قانون التجارة رقم (55/90) الذي صدر في عام 1990م وعالج مختلف الممارسات التجاريّة ومنها الإفلاس التجاري وغيرها من القضايا. ما هو الإطار القانوني للإفلاس في سلطنة عمان؟ وفي سنة 2019 أصدرت سلطنة عُمان المرسوم السلطاني رقم 2019/53، والذي دخل حيز التنفيذ في يوليو 2020، ويتضمن الأحكام المرتبطة بالإفلاس بما في ذلك الإجراءات المتبعة، وحقوق الأطراف المعنية، ويعد هذا القانون خطوة هامة في تعزيز بيئة الأعمال في سلطنة عُمان وتوفير حماية قانونية للأطراف المعنية، ويهدف هذا القانون إلى: تنظيم إجراءات الإفلاس التجاري بشكل شفاف. إعطاء الفرص للشركات المفلسة أو المتعثرة لإعادة الهيكلة بدلاً من التصفية. حماية حقوق الأطراف المعنية (الدائن المدين) وفق أحكام الصلح الواقي من الإفلاس. تطوير وتحفيز بيئة الأعمال من خلال تقليل الوصم المرتبط بالإفلاس التجاري. ما هي أسباب الإفلاس التجاري؟ يعد تغيّر أساليبه الجديدة وطرق التسويق المبتكرة وعدم مواكبة بعض الشركات لذلك من أبرز الأسباب المؤدية إلى الإفلاس التجاري، وتدهور الأوضاع المالية للشركات والمؤسسات التجارية، وتراجع أسعار النفط المتقلبة خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى تقلص ميزانية الإنفاق الحكومي، وهو ما يؤدي بشكل مباشر وغير مباشر إلى التأثير في المشاريع سلبًا خصوصا الصغيرة والمتوسطة، بجانب حجم السيولة المتداولة في السوق، والأزمات العالمية مثل كوفيد التي عطلت حركة سلاسل الإمداد مما أثر على الأسواق في سلطنة عُمان. كما تواجه الشركات والمؤسسات على حد سواء تحديا كبيرًا يتمثل في ارتفاع تكاليف التشغيل، مثل الإيجارات المرتفعة، وفواتير الكهرباء والماء ورسوم التراخيص. وتزداد الصعوبات في وجه الشركات الناشئة، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات ونسب الفائدة على القروض التجارية، وتعثر بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة؛ لعدم تمكنها من إعادة سداد ديونها، فضلا عن الشيكات التي ترتجع يوميًا بسبب تراجع الأعمال التجارية اليومية بسبب ضعف حركة أنشطة الأسواق. وتشير دراسات السوق في سلطنة عُمان إلى ضعف القدرات الإدارية وغياب المهارة لدى أصحاب الأعمال وأصحاب المشاريع، في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ويتجلى ذلك في غياب التخطيط المالي الواضح، وسوء إدارة التدفقات المالية، والإفراط في الاقتراض، كلها عوامل تؤدي إلى تآكل الرأسمال بشكل سريع، ولعل أحد أبرز نتائج ذلك ضعف الرقابة الداخلية،وغياب المحاسبة، وعدم الوفاء والالتزام بمتطلبات القيادة الناجحة والحوكمة، التي تسهمُ في التصدي للأزمات المالية بشكل مبكر. تكشف التحديات البنيوية في بيئة العمل، عن تقاعس النظام المالي في أداء مهامه، لاسيما وأن التحدي الكبير الذي يواجه المؤسسات في سلطنة عُمان هو تقاعس مالي، يشمل سداد المستحقات وتوفير السيولة المالية اللازمة لإدارة المشاريع، وهو ما يعمق فجوة المنافسة غير المتكافئة في ظل منافسة الشركات الأجنبية المدعومة بقدرات مالية ولوجيستية عالية، ما يحد من قدرات الشركات المحلية ويضعف قدرتها على المنافسة ويقلص حصتها في السوق. رغم وجود قانون الإفلاس الجديد، إلا أن فاعليته محدودة على مستوى التطبيق، في ظل غياب الثقافة القانونية لدى الكثير من رواد الأعمال، خصوصا بما يتعلق بالآليات المتاحة لحمايتهم من الإفلاس، مثل التسوية أو إعادة الهيكلة. يتبين مما سلف، أن علل الإفلاس التجاري مركبة ولها جذور بنيوية في السوق العمانية، منها ما يرتبط بما هو مالي، ومنها التكويني والثقافي الاجتماعي أيضا، وهي كلها أسباب تؤدي بطرق مباشرة إلى الإفلاس في ظل بُعد المؤسسات المعنيّة عن تطوير هذا المجال. ماهي إجراءات الإفلاس وفق القانون العُماني؟ يتيح القانون العماني، إجراءات من شأنها حماية الأطراف المعنية في حالة الوقوع في الإفلاس، إذ ينبغي على من تعرض للإفلاس إلى اتخاذ إجراءات تدبيرية قانونية ومالية، من شأنها حصر الضرر ومنعه، تبدأ بطلب إعادة الهيكلة لدى وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار؛ كونها الجهة المختصة وفق النموذج المعتمد واتخاذ إجراءات مرحلة التسوية، أي محاولة التوصل إلى اتفاق بين المدين والدائن، من أجل سداد الأقساط بطرق تراعي مصلحة الطرفين، أمّا المرحلة الثانية فهي تقديم طلب للمحاكم المختصة، للصلح الوقائي من الإفلاس وإذا لم ينجح ذلك الاجراء يمكن للمتضرر اللجوء إلى المرحلة الثالثة يتم فيها رفع دعوى إشهار الإفلاس، ويصدر الحكم من المحكمة المختصة، ويتم بعد ذلك حصر وتقدير ممتلكات المدين، وتصفية الأموال لتسديد الديون حسب الأولوية. تؤدي كل هذه الإجراءات في الأساس إلى حماية الأطراف المعنية وفق القانون من أجل حمايتهم وإعطاء الفرصة للتفاوض لاستمرار الشركة وكذلك حماية الدائنين من حقوقهم . القواعد الثلاثة للإجراءات القانونية كالتالي: إعادة الهيكلة وهي فرصة للإنقاذ. الصلح للوقاية من الإفلاس إشهار الإفلاس وهي إجراءات تنتفي معها كافة الوسائل والحلول. ما هي التحديات العملية في تطبيق نظام الإفلاس؟ رغم التقدم التشريعي الكبير المُتمثل في قانون الإفلاس رقم 53 لسنة 2019، إلا أن تطبيق نظام الإفلاس يواجه جملة من التحديات التي تتمثل في العائق الاقتصادي كتحدً أكبر، ويعد هو الأبرز في تطور بيئات عمل الريادة،وهو الركيزة الأساسية في تطوير بيئة الأعمال لضمان استقرارها، كما تسهم معالجتها في حماية المنشآت من الوقوع في الإفلاس التجاري. التحديات العملية في تطبيق نظام الإفلاس في سلطنة عُمان: ضعف الوعي القانوني:قلة معرفة أصحاب الأعمال بالإجراءات القانونية المتاحة مثل التسوية الوقائية وإعادة الهيكلة، مع استمرار النظرة السلبية للإفلاس. نقص الكفاءات القضائية والمهنية:قلة عدد القضاة المختصين ومنهم، أمناء التفليسة المتخصصين في قضايا الإفلاس وإعادة الهيكلة. بطء الإجراءات القضائية:تأخر البتّ في الطلبات والبطء في الإجراءات يؤدي إلى ضياع فرص إنقاذ الشركات المتعثرة في الوقت المناسب. ضعف تعاون الدائنين:عدم تجاوب جهات التمويل والدائنين مع خطط إعادة الهيكلة بسبب المخاوف من فقدان مستحقاتهم. غياب مؤسسات دعم إعادة الهيكلة: لا توجد كيانات متخصصة تساعد الشركات على إعداد خطط إنقاذ واقعية ومدروسة. إيجاد وتسوية مع الدائنين لفترة: تمكن الشركة من الرجوع للسوق وتشغيله حتى تتمكن من دفع مستحقات الدائنين تشغيل الشركة سواء بدخول شريك جديد أو مهلة للشركاء للإعادة بالسوق مع إيقاف مطالبات الدائنين ما هو أثر قانون الإفلاس على بيئة الأعمال؟ مكّن قانون الإفلاس رقم 53 لسنة 2019، من إحداث نقلة نوعية في هيكلة بيئة الأعمال في سلطنة عُمان، إذ أسهمَ في بناء منظومة قانونية متوازنة تعمل على استحضار مصلحة الدائنين والمدينين معًا، وقد انعكس هذا الإطار التشريعي الجديد بشكل إيجابي على ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، من خلال إرساء قواعد واضحة للتعامل مع التعثر المالي دون اللجوء الفوري إلى إفلاس الشركات. ومن آثار هذا القانون أنه أعاد هيكلة الإفلاس بناء على المستجدات الطارئة والتغيرات التي يعرفها السوق في سلطنة عُمان، والاحتياجات المالية والاجتماعية أيضا، كما أنه أعطى فرصة كبيرة لإعادة الهيكلة بدلًا من إنهاء النشاط التجاري للمؤسسة، ما يؤدي إلى تشجيع أصحاب المؤسسات المتعثرة على الإفصاح المبكر عن أزماتهم المالية وطلب الحماية القانونية بدل التواري أو التحايل. كما ساعد هذا القانون على تعزيز العدالة التنافسية خصوصا عند توزيع الأصول عند الإفلاس، وضمان أولوية الحقوق الأساسية مثل مستحقات الموظفين والضرائب أيضا، وهذه إجراءات هامة في أفق تطوير المنظومة ككل، كما مكنت أدوات مثل: "التسوية الوقائية" و"إعادة الهيكلة"، من إنقاذ شركات ذات جدوى اقتصادية كانت ستختفي لولا هذه المسارات القانونية المرنة. وعلى المدى الطويل، يساهم القانون في تحسين تصنيف السلطنة في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال (Doing Business)، ويعكس التزامها بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، ما يعزز جاذبية سلطنة عمان كوجهة استثمارية في المنطقة. ويبقى تحقيق الأثر الكامل مرهونًا بفعالية التطبيق، وتجاوز التحديات المرتبطة بالوعي، والقدرات البشرية، والبنية الرقمية، وهو ما يجعل قانون الإفلاس أداة واعدة لكنها تحتاج إلى بيئة مؤسسية قوية لتحقيق تحول حقيقي في مناخ الأعمال. ما هي الإصلاحات المستقبلية؟ التحول الاقتصادي في سلطنة عُمان وفقًا لرؤية "عُمان 2040"، يُتوقّع أن يشكّل قانون الإفلاس أداة استراتيجية لتنظيم السوق، وتحقيق التوازن بين حماية حقوق الدائنين وضمان استمرارية المؤسسات، ومع ازدياد عدد الشركات الناشئة وريادة الأعمال، تصبح الحاجة إلى بيئة قانونية مرنة ومنصفة أكثر إلحاحًا. لذلك، فإن المرحلة القادمة تتطلب التركيز ليس فقط على وجود القانون، بل على جودة تطبيقه، وسهولة الوصول إليه، ومدى فهم المعنيين له. مقترحات لتعزيز فعالية قانون الإفلاس: المجال القانوني: إطلاق حملات إعلامية وتوعويّة لتعريف رواد الأعمال والمحاسبين بآليات التسوية، وإعادة الهيكلة، وحقوقهم القانونية. المجال القضائي: تأهيل القضاة والمحامين والمحاسبين على قضايا الإفلاس بالتعاون مع المعاهد القانونية والمهنية، لتقوية مهارات إدارة الملفات التجارية المعقدة. المجال الرقمي: تطوير منصة إلكترونية موحدة لإدارة ملفات الإفلاس لتسهيل تقديم الطلبات، تتبع مراحل المعالجة، وتحسين الشفافية والفعالية. المجال المالي:إيجاز لجنة متخصصة من البنوك والبنك المركزي والجهات ذات العلاقة لايجاد حلول للشركات المتعثرة لدعم خطط إعادة الهيكلة بدلًا من الدفع نحو الإفلاس أو التصفية. المجال التشريعي:إلزام المصارف بإعادة الهيكلة وفق ما تقدمه اللجنة المختصة لضمان الانسجام مع نظام الإفلاس وتبسيط الإجراءات المرتبطة بالتصفية أو إعادة الهيكلة. يشكّل الإفلاس التجاري محطة حسّاسة في دورة حياة المؤسسات، وله أثر مباشر على استقرار الأسواق وثقة المستثمرين. وقد شكّل إصدار القانون رقم 53/2019 في سلطنة عمان نقطة تحوّل في تنظيم هذا المجال، حيث أدخل آليات جديدة مثل التسوية الوقائية وإعادة الهيكلة التي توفر حماية قانونية للمدين والدائن معًا، غير أن التحديات البنيوية، كضعف الوعي القانوني، ونقص الكفاءات المتخصصة، والبطء في الإجراءات، ما زالت تحدّ من فعالية هذا القانون على أرض الواقع. وفي ضوء رؤية "عُمان 2040"، تتطلب المرحلة القادمة حزمة إصلاحات تتراوح بين تحسين البنية القضائية والرقمية، وتطوير أدوات إعادة الإدماج الاقتصادي، ورفع كفاءة المؤسسات الداعمة، بهدف بناء نظام إفلاس مرن يدعم بيئة الأعمال ويُكرّس الشفافية والتنافسية، ويساعد الشركاء على ممارسة أعمالها التجاريّة بكل مرونة

شارك

هل كانت هذه الصفحة مفيدة؟